المشاركات الشائعة

السبت، 18 يوليو 2020

بين شاعرين أبو الطيب المتنبي وجلول الجلجلي




عقدة البوعريف
بين شاعرين
أبو الطيب المتنبي وجلول الجلجلي
علي قوادري
نقف اليوم بين شاعرين كل عاش زمنه فكتب عن مجتمعه مفتخرا وذاما ومادحا..
شاعران اتخذا لغة العصر تعبيرا عن مشاهداتهما وتجاربهما :فكانت الفصحى من جهة والعامية من جهة أخرى..
نحن الآن أمام قامة شعرية شغلت الدنيا فبقي شعره خالدا رغم مرور القرون إننا أمام الشاعر الطيب المتنبي الذي كانت له أحلام كبيرة وتطلعات تسمو بنفسه سمو شعرها وعلو ما قاله..
كان يحلم أن يرفعه شعره حين يمدح الأمراء أن يمنحوه ملكا فيصبح أمير إقطاع ولكنه اصطدم بواقع آخر ،أبعده وقزمه في بلاط الأمراء ..
وبعيد عن مدحه وفخره الذي يقال أنه قتلهن نقف ونحن نسمع صداه يرد هذا البيت:
ذو العقل يشقى في النعيم بعقله=وأخو الجهالة في الشقاوة ينعم
وهو بيت من قصيدة طويلة كان مطلعها:
لهوى النفوس سريرة لا تعلم=عرضا نظرت وخلت أني أسلم..
ويبدو أننا أمام شاعر جرب حتى ساقته التجربة لاستخلاص هذه الحكمة التي مازالت تساير عصرنا..
نرى تقابلا استعمله الشاعر لإبراز الفرق والخلاصة؛العقل يقابله الجهالة وذو العقل شقي والآخر ينعم من النعيم ..
بعد رحلتنا لعصر المتنبي ها نحن نعود لعصرنا الحالي فنجد حفيد الشاعر المتنبي شاعر البيض جلول الجلجلي صاحب رائعة ابقاي على خير ياذ الدشرة وشاب الرس وهو جامعي متحصل على ليسانس في العلوم التجارية والمالية سنة 1979 ثم انتقل إلى بريطانيا ليتعلم لغتها وعاد وكله أمل أن يخدم مدينته لكنه قوبل بواقع مسدود وعقدة نحو كل مثقف متعلم فعبر عن يأسه وحسرته بقصائد من الملحون أهمها أبقاي على خير ياذ الدشرة والتي غناها الراحل الشيخ عطالله ..
ومن خللا قصدته سربيلي كاس أتاي والتي مطلعها:
سربيلي كاس بالنعنــاع بنين ***** زيد اعطيني ڨـــارو نتونس بيه
واسمح لي نحدثك على الوقت الشين ***** ذا الوقت لي كهمومــه كي غاشيه
يصرخ في قومه وقد بلغ منه اليأس مبلغا جعله يعاود الهجرة:
مول العلم بين الناس أحزين***** والجاهــــــل مبسوط لا من ينويه
واحد عايش عيشة أهنا وتسلطين***** ولآخر غي هم الزمان يكاوح فيه
يستعمل هو الآخر تقابلا من أجل إظهار الفرق: مولى العلم /صاحب العلم أو ذو العقل احزين /حزين وشقي بينما الجاهل سعيد لا يأبه لشيء ولا شيء يضايقه..
من خلال الشاعرين وما جادت به قريحتهما يقفز شبح إنسان فاقد الأمل أوصلته التجربة لخلاصة رهيبة وحزينة ،وفيها تثبيط ويأس وكأنهم يقولان:هذا هو الحال ولن يتغير شيء مادام أخو الجاهلة/الجاهل ينعم ومبسوط لا من ينويه وذو العقل يشقى لأن صاحب العقل ينشد التغيير والإصلاح والخير للبلاد والعباد..ولكن المعوقات كثيرة..
هنا تحضرنا عقدة الحاكم والرعية من العلماء والمثقفين بحيث يتم إبعادهم وتهميشهم وهي عقدة سماه أمين الزاوي في مقال له بعقد البوعريف والبوعريف عندنا تعني المثقف أو العالم.. وقد حكى حكاية الأديب مالك حداد حين تقد للترشح من في البرلمان وكان الترشح يومها يمر بالحزب الواحد ويتم اختيار القائمة ،في نهاية الأمر تم إقصاؤه وتقديم أسماء لا مستوى لها مما جعل مالك حداد يعيش حالة صدمة وينعزل في بيتها حتى توفي..



الجمعة، 17 يوليو 2020

ديك نزار قباني وديك علي عبد اللاوي

ديك نزار قباني وديك علي عبد اللاوي
الكتابة على لسان الحيوان
الأستاذ:علي قوادري

عرفت الكتابة على لسان الحيوان منذ عهد ابن المقفع الذي اشتهر بقصص الحيوان في كتابه الشهير كليلة ودمنة كما عرف الأدب الفرنسي هذه الظاهر مع الكاتب جون دي لافونتان في كتابه خرافات لافونتان وانتشر في مناطق عديدة من العالم.. les fables de la fontaine
كانت هذه القصص على لسان الحيوانات تنتقد الأوضاع الاجتماعية والسياسية بذكاء ودهاء في أسلوب سردي شيق مما جعل الإقبال عليها وعلى قراءتها وكثيرا ما تنتهي بحكمة ..
بقي هذا الأسلوب من التعبير يواكب الحركة الإبداعية العربية والعالمية،و واصل كتاب معروفون التعبير عن آرائهم باستعمال الحيوان كأداة لتوصيلها ونشرها لدي العامة والنخب على حد سواء..كما قال طه حسين يوما في كتابه «من حديث الشعر والنثر» عن عبد الله بن المقفع وصديقه عبد الحميد الكاتب: «وإنما يقرؤهما منا ذوو الثقافة العالية والساذجة والمتوسطة والبسيطة ،وكلنا يجد لذة ومتعة فنية "
ومن هنا كتب شعراء بهذا الأسلوب كشوقي ونزار قباني والكثيرون مستعملين هذا الأسلوب لنقد الأوضاع السياسية التي كان يديرها ديكتاتوريون لا يؤمنون بحرية التعبير ولا يسامحون من يخالفهم..
ارتأيت هنا أن أتوسع في هذا المجال متجها نحو الشعر الشعبي أو الملحون عندنا متخذا من قصيد شاعر سيدي مخلوف علي عبد اللاوي نموذجا على هذا الأسلوب في التعبير عن الآراء والأفكار السياسية والاجتماعية وغيرها..

ووجدت أن سي عبد اللاوي قد استعمل في قصيدته الشهيرة الدجاجة قالت للفروج الحيوان ليعبر عن نقده ورأيه لقانون الأسرة وهو موضوعة اجتماعية بحتة وحساسة في مجتمع رجولي كمجتمعاتنا الداخلية..
بالمقابل وجدت أن الشاعر الكبير نزار قباني قد استعمل الديك المرادف للفروج في عاميتنا لينتقد وضعا سياسيا وحكما ديكتاتوريا ..
كلا الشاعرين استعملا الأسلوب الفكاهي من أجل سخرية سوداء تنم عن عدم الرضا وعدم القبول وهو ما عبرت عنه الحيوانات..
ففي قصيدة نزار جاءت القصيدة على لسان راو مجهول يروي سيرة ديك يرمز به للحاكم العربي وديكتاتوريته وتبعيته للغرب وقمعه لكل الحريات كما يشير لهمجيته وعدائيته وقهره لأهل الحارة حيث يبدأ القصيدة ب :
في حارتنا ديك سادي سفاح..
بدايةً، كلمة السادية Sadism
تعني الحصول على المتعة أو اللذة خلال العلاقة الحميمة عن طريق إيلام أو إيذاء الطرف الآخر، وهي عبارة عن اضطراب سلوكي قد يُصاب به أي من الجنسين، سواء الرجل أو المرأة، ولكن السلوك السادي ينتشر في مجتمعنا الشرقي بين الذكور بصورة أكبر، وفقا لما تشير إليه بعض الدراسات.
ويتميز الشخص السادي بعدة صفات، هي: القسوة والعنف والعدوانية والترهيب والرغبة الدائمة في إلحاق الألم النفسي أو الجسدي بالطرف الآخر (الزوجة) وإهانتها، لكي يثبت لها ولنفسه قوته وهيمنته وسيطرته عليها، ولا يتحقق لديه الشعور بالمتعة أو الوصول للذروة خلال ممارسة العلاقة الحميمة إلا لو فعل ذلك:
في حارتنا ديك سادي سفاح
ينتف ريش دجاج الحارة كل صباح
ينقرهن, يطاردهن, يضاجعهن
ولا يتذكرأسماء الصيصان

.نحن أمام سادي قد يفعل كل شيء في أبناء حارتنا وبحكم أنه هو الديك والديك هنا هو السيد وكما يختم نزار قصيدته :
قال بصوت غاضب:
كيف تجرّأ ديك من أولاد الحارة
أن ينتزع السلطة مني
كيف تجرأ هذا الديك
وأنا الواحد دون شريك
بالمقابل نرى أن الشاعر الشعبي علي عبد اللاوي قد قدم قصيدة في شكل حوار بين الديك الفروج وزوجته الدجاجة ليسرد علينا حالة التمرد الذي فرضته الزوجة على الفروج الذي يرمز لهيبة الرجل التقليدي في مجتمعاتنا وهو الآمر والناهي ولا كلمة تعلو كلمته ..
في حوارية شيقة شعرية فكاهية يسرد علينا الشاعر تمرد الدجاحة التي أصبحت كلمة بكلمة مع زوجها ،ورغم التهديد والوعيد تصر على الخروج والتمتع بالحرية التي أقرها القانون ليحتكما للقاضي وهو الغراب والمحامي التبوب وهو من ضعاف الطير وكأنه قصد هذا...ليخرج الفروج منكسرا مهزوما ويقر بالهزيمة ويحلق شاربه..
تنقسم القصيدة إلى أقسام ،يبدؤها الشاعر كمقدمة بسبب المشكل وهو طلب خروج الدجاجة وخروجها عن التقاليد والأعراف مما يسبب غضبا للفروج الذي أحس بالتمرد فحاول التصرف لكن دون جدوى:

الدجاجــة قالـت للفـَـرُّوجْ** لاتمنعنــي مــن الخروج**رانا في وقت هاجوج وما جوج قريب ايطل
قال لها دجاجــة كنــي**لا اتخليــش الغيــرة تقتلني**خايــف منها اتجنـني وايقولـو الفــروج اهبل
قالــت لــو غــي هني بالــك**لاتتنفــرز هــاك أُمَّالــك**حتى وُنخــزر لمثالك واش اقبالك تعمل ؟؟
قال لْها الى قلت لك لالا**ما الديريش المكر اقبالا**وامشي زين مع الحماله مهما اعواجت ما تهمل
قالت لو كثـــرت اعلـــيا**وانا امعــاك نمشـــي بالنية**يا وقيـــلا نقلب الحـــيَّا ماعاد باقي لي عقل
قال لها رأي ديريـــه**حتـــى وانت ماتشتيه**ها الحيـــط احـــــذاك دزيـــه ولو يحصل ما يحصل
قالت لو واش راك اتقول**خابطها انضنــك مزطول**راك اتندم آمهبول ترجـــــع واتعـــود اتحلل
قال لها ياســر بركانــي**ديــري ما قلــت لــك بلسانـــي**انا بابــايا وصانـــي تطلقـــها عنك تهمل
قالت لــو يـا اللــــه نتفرقــو**قبــل ما انعـــودو نتفلقـــو**أيام المحبـــة حرقـــــو ما باقي فيهم أمل
قالها نغدو للقاضــي**نحكــو لـــو الحاضر والماضي**واللي احكم لو يغدى راضي ما عليه الا يقبل

بعد الصراع الدرامي كان الحل الاحتكام للقاضي وهو الغراب ،وقد أحسن الشاعر اختيار شخصيته وبذلك قد صور لنا بذكاء ودهاء مسبق ما سيؤول إليه الحكم فنرى في هذا المقطع أو الجزء ما حدث في المحكمة وكيف كانت القوانين لصالح الدجاجة مهمشة الرجل وسلطته الكلاسيكية:
راحــو للقاضــي يتمشــو** فــي بعضاهم غير ايكشو**القاضي راقد في عشو احذى أولادو متكسل
القاضي هــو لغــراب**وعنصــري عنــدو لعصــاب**لارشـوه ثـمَّ لا اصـــحاب كلمتين ويلقى الحل
والمحامـي ســي التبيــب**مــن قضيـة يملي الجيـب**مـا عندو لاعدو لا احبيب طلقها قبل أن تهبل
حتى محامـي الدفــاع**ويشتــي هــاذي الاوضــاع**ما هُـو مرشــي لاطـــماع عيــنو سِيقان الحجل
القاضــي خــشْ بْـنظام**خًـبْــطْ البيـرو بَالـرَّزامْ**طـارو شنــباتْ الهُــمَام قبــل الجلســـــــة ما تتحل
قال الجلســة مفتوحــة**ويــنك يا ذي المجروحــة**قالت راني مفضوحـة امعيشني سيــدي في الذل
دايم دايرني في السجنة**وكي يزعف يعطيني عجنة**آ سيدي القاض واحتجنا وذا البوجـادي ما يغفل
حارمني من خرجـةْ بَــرَّهْ**رشـَّانـِـي سيـدي بالهدره**غي كلمه وانجيب لك ضرة تمشي اقبالك تتزعبل
قال لـْـها المــادة سبعيـــن**اللـــي خـرْجَـــتْ سنَـــــةْ الفين**الزوجــة ليها حقيــن في النفقــة والمنزل
قال الجلســة مرفوعـــة**الهــدرة عنكــم ممنوعــه**قوانينــي مصنوعــــه والقاضـــي صَيـْـــد وجمل
هكذا تتم المحاكمة ويتم الاحتكام لقوانين وضعها نظام بوتفليقة مانحا للمرأة الكثير من الحريات قد أضرت بالأسرة وأدت للطلاق والافتراق وتفكك الأسر ،ولم يتوقف الشاعر في وصفه للمحكمة بل أشار لفئة المحامين وعملية النهب المقننة وكيف أنهم يحبون هكذا أوضاع..
في الجزء الآخر نشاهد انقلابا تاما على الوضع التقليدي، فالدجاجة حققت انتصارا قانونيا وأصبحت تتمتع بالقوة والجرأة وما عاد سلطان الرجل يرهبها :
قال الفروج للدجاجَـــهْ**وانــا نسكـــن في الخراجَـــه**لازم لــك ديـري لي حاجه واكفيني كانش عمل
قالت لـُـو اعمَـيْلِـي ساهــل**تلقانــي نغــدى للعـادل**ايلوحك لـ دْويلةْ ْ بابل ست اشهر تشرب في الخل
قال لْـها مـا اتلومينيــش**رانــي غالــط مـا عنديــش**لــو نسَّـلْـتي قــاع الريــش مـا عــاد نلعبها بطل
اشهــدو عنــي يا دجاجــات**ماني الفــروج اللــي فــات**رانــا وليــنا أُخــيَّات والنُّـونَـــايا غــي ثقل
رانا وقــت التفتـوح**ديـري مـا اتحبـي مسمـوح**اشتيت انولـي والا انــروح ما انعـوعش ماني فحل
قالــو لـو يـا ذا الفـــروج**ألْهَـــى ابْكـرعيـك اللي عوج**اعويناتك وأُذيناتك زوج عقلك عندك لاتهمل
قال لْهــم أنا رْفـــدت الرايـــه**والصــــح انـــردو دعايــه**كـان امغلطنـي بابايا وصانـي وعنـي ارحل
الدجاجــة قالــت فروجــــي**امونسنـــي يغـــدى وايجـي**لاش انهينو يا حوجي افريرجي زين أمنسل
الفــروج اخــــرطْ شنباتـُــو**والا اموســـع أبيباتو**امبكــر ايلقط فـــي حباتــو وسعـــدو راقــد ياكل
اكبــر واعواجــو سيقانــو**واتلــف لــو حتـــى أذانــو**لاقــــدرُو قعــدو لاشانُـو مقواه الى كان اهبل
الدجاجات ايصولو وايجولو**واذا اتكلم ما ايردولو**على الحرية كي يحكولو ايدير اجناحو كي لمظل
الحكـــم ولـّــَى خاطيـــه**يخـــزر فــي المكــر بـْعينيــه**هآحليلــــو لالـــوم عليــه مقـواه الى كان اهبل
ادجاجاتـــي مــا يسجنـــوش**والمفلــس مــا يتبطــوش**رانـا وقـت التقلــوش دجاجـه تحكم في البغل

وبكل حسرة وذلة يستكين للوضع بعد تهديد الدجاجة له بالاستعانة بالقاضي وحبسه ،فيعود منكسرا ويغير من معيشته من السيد وصاحب القرار إلى تابع لامرأته فيقول لها:
قال لْـها مـا اتلومينيــش**رانــي غالــط مـا عنديــش**لــو نسَّـلْـتي قــاع الريــش مـا عــاد نلعبها بطل
اشهــدو عنــي يا دجاجــات**ماني الفــروج اللــي فــات**رانــا وليــنا أُخــيَّات والنُّـونَـــايا غــي ثقل
رانا وقــت التفتـوح**ديـري مـا اتحبـي مسمـوح**اشتيت انولـي والا انــروح ما انعـوعش ماني فحل

مشهد كوميدي ساخر يعري الوضع ويجعلنا نقف أمام مأساة نفسية لهذا الرجل الذي يقف ضحية ثورة زوجته ..
فيقر بكل شيء في هذا المقطع الذي يصور لنا ببراعة انقلاب المشهد وانحسار دور الرجل التقليدي وتمكن المرأة الحديثة من كسر رهبته وهيبته وتهميشه تهميشا موجعا ،وأصبح منسلا لريشه رامزا لتخليه عن رجولته وغيرته وهو ما جعل الدجاجة تعجب به وتبقيه مادام لا يمانع في حريته غير التي كانت:
قالــو لـو يـا ذا الفـــروج**ألْهَـــى ابْكـرعيـك اللي عوج**اعويناتك وأُذيناتك زوج عقلك عندك لاتهمل
قال لْهــم أنا رْفـــدت الرايـــه**والصــــح انـــردو دعايــه**كـان امغلطنـي بابايا وصانـي وعنـي ارحل
الدجاجــة قالــت فروجــــي**امونسنـــي يغـــدى وايجـي**لاش انهينو يا حوجي افريرجي زين أمنسل
الفــروج اخــــرطْ شنباتـُــو**والا اموســـع أبيباتو**امبكــر ايلقط فـــي حباتــو وسعـــدو راقــد ياكل
اكبــر واعواجــو سيقانــو**واتلــف لــو حتـــى أذانــو**لاقــــدرُو قعــدو لاشانُـو مقواه الى كان اهبل
الدجاجات ايصولو وايجولو**واذا اتكلم ما ايردولو**على الحرية كي يحكولو ايدير اجناحو كي لمظل
الحكـــم ولـّــَى خاطيـــه**يخـــزر فــي المكــر بـْعينيــه**هآحليلــــو لالـــوم عليــه مقـواه الى كان اهبل

هنا نقف أمام ديك منكسر ضائع ومنهزم عكس ديك نزار قباني الذي يصول ويجول ويمارس ساديته بحرية وبمباركة الغرب شرط أن يبقى تابعا بينما ديك عبد اللاوي يضعف ويهن ويذل بمباركة قانون نظام يرى في المرأة وحريتها سند وحاضنة ووعاء انتخابيا يجب الاستفادة منه ولا يتم ذلك إلا بتحريرها تحريرا لا مشروطا دون مراعاة للتقاليد والأعراف والدين،وهذا ما يسجله الشاعر في خرجته وخاتمه للقصيدة فيقول:
ادجاجاتـــي مــا يسجنـــوش**والمفلــس مــا يتبطــوش**رانـا وقـت التقلــوش دجاجـه تحكم في البغل
لاعدالـــه تقاليــــد**رانــا فــي عصــــر التجديـــــد**والكــــــلام اللــــي مفيـــد مـــــولاه ايقولو يحصل
لاشاعــــر ولا امــــام**يتكلــم ويقــــول احــرام**الدنــيا خربــت يا ســـلام والفـــــروج خرجـــــو لعقل

هكذا هي رحلتنا الشعرية الكوميدية مع ديكين: ديك نزار قباني في تيمة سياسية بحتة انتهجها نزار قباني بعد قتل زوجته بلقيس تاركا شعر الغزل الذي عُرِف به، وديك شاعر شعبي عرف عنه الشعر السخري وتعريته للواقع من خلال قصائد فكاهية خفيفة على النفس ثقيلة على صاحب الغيرة وقاسية على غير راض بهذه الأوضاع ، فالتيمة هنا كانت اجتماعية ..وبينهما تكلم الديك فقدم ونقد وصور وأضحك وأبكي وقيم وانتقم ..
ويبقى الحيوان أشجع منا وأكثر جرأة منا حين يتعلق الأمر بالأوضاع السياسية والاجتماعية وغيرها كما يبقىابن المقفع متجددا في أدبنا ومتواصلا بأسلوبه مع حياتنا..


السبت، 4 يوليو 2020

صباحك ذكرى يا وطن

صباحك ذكرى يا وطن

ذكرى استقلال الجزائر تتزامن وعودة جماجم المقاومين الأوائل للمحتل ..
ذكرى جهاد واستدمار عمل على تحطيم الهوية قبل كل شيء وزرع الفتن وهم من كانوا يتغنون أنهم حملة حضارة..
لكن لماذا لم تعد تهزنا المناسبات الوطنية بما تحمله في وجدان الجزائري الذي عايش وجاهد إما يالسلاح أو عمل كحاضنة قوية للمجاهدين خاصة جيل الاستقلال؟
رغم كل شيء أهلا وسهلا بك مناسبة استقلالنا...
وإلى أن تكتمل سيادتنا وتبعيتنا للمستدمر القديم تبقى المناسبة وغيرها فرصة للمساءلة والبحث عن أمور عالقة كالهوية وأشياء أخرى...
5جويلية يمر كسائر الأيام دون مساءلة للذات ودون الوقوف عند السلبيات والإيجابيات ودون طرح الأسئلة المحورية:
ماذا يصلح للوطن ؟ومن يصلح للوطن؟ وأين وصلت القضايا الكبرى في الوطن كالهوية واللغة وعملية التداول على السلطة وعملية البناء الاقتصادي والثقافي والفكري للجزائري؟؟
وأسئلة كثيرة مؤجلة ومهربة ومضيعة تماما مثل خيراتك يا وطن..


الإبداع إدهاش


الابداع إدهاش
يتعامل الشاعر وهو يلج عالم القصيدة مع عوالم كثيرة لا تبدو جلية للمتلقي ولا حتى للناقد لأنه ببساطة لايركز إلا على بعض العوالم..
تلك العوالم الخفية تتعدد ولكنها تتحد في مواجهة الشاعر،فيكون النزال وتكون الحكمة..
تتجلى هذه العوالم في اختيار الألفاظ والخطاطة الخفية للنص والوزن والايقاع والصورة ثم هناك اللغة بتفاعلاتها وانعكاساتها النحوية وما إلى ذلك من خيال جانح لأفق لا يلمسه العادي ، ولا ينقل الواقع أو يعيد تركيبه إلا من خلال خلطة أو تعويذة سحرية وساحرة وآسرة لا تغادرالمتلقي عندما ينهي قراءة النص ولكنها كالعطر الثمين تلازم ثيابه وتصطحب خطواته فتفوح إما التقاه أحدهم..
تلك هي الدهشة التي يخلقها المبدع المبدع وليس من يجتر المنظومة نفسها دون أن يكلف نفسه عناء التجديد ونفخ روح من أنفاسه وأفكارك وأدواته التي تحلق بالنص من المألوف والمتكرر إلى السحرية التي تجعلك تعيش أو تحس أنك أمام الجديد والمتجدد ،تتنفس عبق تجربة وتركيبة وعصارة وعصير لم تتذوقه سابقا.. ولكن هناك كذلك رسم المعنى وظلال الكلمة التي قد تمتد إلى أبعد من السطح أو ما هو ظاهر يواجهنا فتحلق بنا نحو رؤية مختلفة ووجهة قد لاتخطر على بال ويلزمها فارس متمرس يحسن السفر ويحتمل مشقة النبش عميقا والمسلح بموسوعة قراءاتية واسعية وواعية..
كل هذه العوالم تحددها منظومة تنصهر في شكل لمسة خاصة أو بصمة خاصة للمبدع ؛فالإبداع يختلف عن كون الشاعر ماهر في الوزن أو في ضخامة اللفظة..المبدع الحقيقي من يواجهك بالمختلف المتزن في تلك العوالم ويسير بك في حدائق ابداعه ، تقطف ما يروقك من أزهار النص..
إننا أمام حكيم يستعمل عشب اللغة والمعنى والصور وما إلى ذلك من أجل عصارة تأسر وتؤسس لفن الابداع الحقيقي الذي قد يتحسس منه المبدع العادي ويأنسه المتجذر في بحر الكتابة ويعتنقه الباحث عن كل مقامرة ومغامرة ابداعية تعد رحلة من رحلات سندباد الابداع إلى المجهول ولكنها ببصمة واثقة التصعيد وصادقة في عمقها..

الخميس، 2 يوليو 2020

الشاعر الذي يحمل الأكوان في رأسه


الشاعر الذي يحمل الأكوان في رأسه
بلعڨون لخذاري شاعر فطري ، عاش عاشقا للشعر وللحكواتي الڨوال وهو شاب في الأسواق الشعبية ،في سنوات كان فيها الڨوال وحلقاته تجذب إليها آلاف المستعمين وعلى المباشر ،فيتحفهم بصوته وطريقة سرده للحكايا مستأنسا برفيق قد يكون عازف كمان كما اشتهر عندنا صميدة أو تكون ڨصبة وهي آلة نفخية تصنع من القصب..
ومن شدة وله وولع الشاعر بلعڨون رحمه الله بهذه الحلقات أن جعل والده يغضب منه مرات تتكرر فينهره ويضربه حتى يتخلى عن هاته العادة السيئة التي لا تعود عليه بالفائدة ولا تُكِْسُبه خبزا ،فما كان عليه إلا أن يرد وبعفوية وفطرة بهذه الطريقة الشعرية الغنائية مختزلا عصارة رؤيته للحياة وفلسفته والتي لخصها المفكر مالك بن نبي بقوله:
هناك من يعيش للمادة وهناك من يعيش للأفكار..
لم يكن الشاعر بلعڨون ابن زنينة يعرف مالك بن نبي ولكنه يحمل روحا مخالفة لمن حوله حين راح يجيب والده قائلا:
لا غاليم ولابڨران ولا بيدي ولامروان
في كسبي غير البندير وفي راسي حافظ لكون
فهو يبدأ نافيا عنه صفة المادية وحبه للدنيا الفانية وزينتها ونقصد المادة حيث ينزه نفسه ويلبس لباس الزهد ويرمي بالأغنام والبقر وهي رمز الرفاه عند البدوي والقروي آنذاك ،كما يرمي بما تدر به الأرض بأجود أنواع القمح كالبيدي والمرواني وهي من تسمياته، ثم يلخص ما يريده وماَ ِخُلق له ،شاعرا يعشق المدائح والبندير، هنا يرمز لحالة الايقاع في شعره وتشبعه وتأثره بفكر الحكواتي مستطردا أنه يحفظ الأكوان في رأسه وقد عُرِفَ عن شاعرنا قوة ذاكرته ، فقد كان راوية لشعراء قدماء نساء ورجالا ، وحاملا لحكايا من التراث والتاريخ ،تاريخ يمتد لفترة الأتراك ثم الاستعمار فما بعد الاستقلال ويا لها من حقبة لم توثق جيدا ولم تأخذ حقها ..
كما يحيلنا قوله هنا لشاعر بدوي آخر من منطقة قريبة يعبرعن رضاه بالحياة البسيطة في نظرهم والتي تمثلها الصحة والسلم وماعز وما إلى ذلك ؛فالحياة كانت بسيطة والغني من ملك هذه الأشياء البسيطة عكس ما نعيشه الآن..حين يجيب سائله قائلا:
الصحة والعافية وربع معزات=بڨرات وبعير وشياه معاهم
صاعين ڨمح وصاع شعير=عكة وبطانات ڨلبي يرضاهم
إننا أمام روح مختلفة تمردت منذ شبابها على كل الأشكال الجاهزة والتي سنَّها مجتمعه ؛ فقد كان هذا المجتمع يهتم بالماديات وبكل أشكال الرزق التي وهبها الله لهم ،وقد كان والد الشاعر رحمه الله يحاول أن يجعل من ابنه تاجرا وفلاحا يهتم بأرضه وأغنامه ، ويتبع خطاه كما تبع هو خطى والده ولكن الفتى الشاب أبى أن يعيش في جلباب أبيه على حد تعبير الكاتب المصري إحسان عبد القدوس ،فأفحمه الحجة ولم ترافقه تلك الإجابة حتى رحل عن دنياه..
رحمهم الله جميعا ورحم شاعرنا الذي رحل قبل أن يتم دراسة إنتاجه وتوثيق الأكوان التي يحملها في رأسه والذي عاش حياته تماما كما صورها في أبياته راضيا وزاهدا وأكثر من هذا كريما فوق ما نتصور ولم يتخلى يوما عن هوسه بالشعر وحبه الكبير له نظما ورواية ....